الشيخ محمد رشيد رضا

160

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

انسان آخر ويجد في الانكار أن يكون زيدا . ثم بين بعد أمثلة ظاهرة في القاعدة أن قوله تعالى حكاية لقول الكفار لرسلهم ( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) انما جاء بالنفي والاثبات دون « انما » مع أنه معروف عند الفريقين - لأنهم جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة قد أخرجوا أنفسهم عن كونهم بشرا مثلهم وادعوا أمرا لا يجوز أن يكون لمن هو بشر . ولما كان الامر كذلك أخرج اللفظ مخرجه حيث يراد أمر يدفعه المخاطب ويدعي خلافه . ثم جاء الجواب من الرسل الذي هو قوله تعالى ( قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) كذلك بان والا دون انما - لان من حكم من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه أن يعيد كلام الخصم على وجهه ويحكيه كما هو اه ملخصا من الفصل الأول في مسائل إنما ، وصرح في الفصل الثاني بأن انما تفيد في الكلام بعدها ايجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره وأطال في الأمثلة وشرحها كعادته وهذا التحقيق ينطبق على الآيات الثلاث في حصر محرمات الطعام في الأنواع الأربعة فآية الانعام التي نحن بصدد تفسيرها جاءت في سياق الرد على المشركين فيما افتروه من تحريم ما لم يحرم اللّه مع ادعائهم أنه حرمه افتراء عليه تعالى كما تقدم شرحه فجاء حصر التحريم فيما ذكر فيها بالنفي والاثبات لأنهم كانوا يجهلونه وينكرونه ، على أن المسلمين لم يكونوا يعرفونه أيضا لأنه أول ما نزل في المسألة ولذلك فسر به قوله تعالى قبله من السورة ( 6 : 120 وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) ولم يفسر بآية النحل مع أنها مكية لان المروى أن الانعام نزلت قبل النحل ، ثم جاءت آية النحل بأنما على قاعدته كما سيأتي والظاهر أن الخطاب فيها للناس كافة مؤمنهم وكافرهم وان جاءت في سياق الكلام عن المشركين والا كان جعلها التفاتا إلى مخاطبة المؤمنين أرجح من جعلها خاصة بخطاب المشركين فإنها مع الآية التي قبلها كآيتى البة من حيث أن بيان المحرمات في السورتين جاء بعد الامر بأكل الحلال الطيب والشكر للّه الذي يقتضيه افراده بالعبادة . وهذا نصهما ( 16 : 114 فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 115 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وانما اخترنا أنها خطاب للناس كافة لمناسبة السياق ولأن آيتي البة قد جاءتا بعد آية في خطاب الناس كافة وهي ( يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً